ابن سبعين
245
بد العارف
جعلناها في الورد سكنت حركتها وتعطلت وكأنها ميتة ، فإذا قربت لها الرائحة الخبيثة التي ألفتها وكانت موافقة لها انتبهت إليها وردّ إليها ما فقدته ، وذلك لموافقتها لمزاجها . ونجد ذلك في الانسان مثل الكنافين الذين يحبون الروائح الخبيثة فإذا استنشقوها لم تعفها نفوسهم ولا استضروا بها وذلك من أجل العادة وكان ادراك ذلك مما يوافق طباعهم ، وان الهواء الذي في خياشمهم هو من تلك الروائح ومزاجه كمزاجها . ولو قدرنا ان أحدهم عند خروجه وانطلاقه من تناول شغله يجتاز على العطارين لقلنا ان الذي يصيبه منها غير مألوف له . فكذلك المرضى يصيبهم مثل هذا لان الصفراوي يتأذى برائحة المسك ويلتذ برائحة الطين . واعلم أن هذا الاختلاف انما يكون بحسب مزاج الأبدان وبحسب الخلط الممرض . وهذه الحواس الثلاثة المتقدمة ادراكها روحاني . وهذا الكلام وان كان فيه تشكيك ففيه الفرق بينها فاعلم ذلك . وهذه الحاسة في بعض الحيوان بها يستعمل الغذاء وهي المدبرة لمعاشه كما وجدنا ذلك في الدواب والكلاب . لأنا نجد الخيل تنكر الأغذية الخارجة عن الادراك الطبيعي وهذا معلوم عند الكافة . ولما كانت هذه الحاسة في غير الناطق قوية لأنه إليها أحوج وهي له مدبرة ، وقد جعلها الله فيه يدبر بها نفسه مثل ما يفعل التميز فينا كان الانسان أضعف الحيوان وأقله شما . ولولا ما يخرجنا الكلام عن الذي أردناه لبينت العلة في ذلك بأعظم مما أنا ذاكره وأحسن منه وأكثر فائدة والله يعين بمنه وكرمه . وهذه الحاسة ، حاسة الشم تنقسم قسمين ، طيبة وكريهة . فالطيبة [ 79 أ ] كما ذكرتها لك بحسب المدرك والخبيثة كذلك . غير أن الطيبة في الحيوان الناطق هي التي تعدل مزاجه لأنها تقوي روحه . وان كان الكناف « 2 » كما ذكرته لك يلتذ بالرائحة الخبيثة ، فذلك المرض أصابه . والا انظر إلى وجهه تبصره على غير الامر الطبيعي فإذا قدرناه قد أضرب عن شغله مدة ، واشتغل بغيره ( 1 ) - ب - وكمزاجها مزاجه .
--> ( 2 ) - أ - الكناس .